الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
122
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
والقبول ، لأنّ للعقد هيئة اتصالية في نظر العرف ، بل هو بطرفيه ( الإيجاب والقبول ) بمنزلة كلام واحد يرتبط بعضه ببعض ، فكما لا يجوز الفصل الطويل بين أجزاء كلام واحد وإلّا لم يصدق عليه كلام واحد ، فكذلك العقد . هذا وقد أورد عليه بوجهين : أحدهما : إنّ الدليل على صحة المعاملات عموما والبيع خصوصا ، ليس خصوص وجوب الوفاء بالعقود ، بل يجوز التمسك بما دلّ على حلية البيع والتجارة وصدقهما مع الفصل ظاهر . ثانيهما : المنع من عدم صدق العقد على ما كان فيه فصل بين الإيجاب والقبول ، وذلك لأنّ العقد ليس اسما للفظ المركب منهما ، بل هو عبارة عن الأمر النفساني الذي هو العهد ، وهذا لا ينفصم بمجرّد الفصل بين الإيجاب والقبول ، غاية الأمر أنّ الاعتبار القائم بالنفس يحتاج إلى مظهر ، وإن شئت قلت : العقد عبارة عن اتصال الالتزامين ، وهذا المعنى حاصل ما لم يرجع الموجب عن التزامه ، مهما كانت الفاصلة ( انتهى ملخصا ) . هذا ولكن الانصاف أنّ شيئا منهما غير صالح للجواب ، لأنّ البيع وإن كان بعنوان المعاطاة كان خارجا عن محل الكلام ، وإن كان بعنوان العقد اللفظي والبيع بالصيغة أمكن المنع عن صدق البيع ، إذا قال البائع : بعت هذه الدار بهذا المبلغ ، فقال المشتري بعد شهر في مجلس رأى البائع فيه : قبلت ما ذكرت قبل أو سنة ، فإن صدق البيع والتجارة على مثل ذلك محل منع أو محل شك ، وإن بقي البائع على نيّته واعتباره . وأمّا حديث كون الإنشاء اعتبارا مبرزا فقد عرفت الإشكال فيه بما لا يحتاج إلى التكرار ، وأنّ حقيقة الإنشاء إيجاد الاعتبارات العقلائية بأسبابها ، فإنّهم يعتبرون الملكية لمن اشترى شيئا وأوجدها في عالم الاعتبار بأسبابها ، فليست الملكية أمرا تكوينيا كما أنّه ليس مجرّد اعتبار في نفس المنشئ بل هي اعتبار عند العقلاء وأهل العرف يوجد بأسبابه . فالعقد هو هذا الإنشاء اللفظي أو الكتبي أو غير ذلك بماله من المعنى ، ولكن بعد ما حصل الإنشاء بأسبابها يرون له بقاء ، ولذلك يجعلون للعقد تاريخا معينا ، وإن شئت قلت : العقد اسم للعقد السببي .